عبد الملك الجويني
244
الشامل في أصول الدين
والذي يوضح الحق في ذلك : أن الكون في المكان الثاني لو كان من جنس الكون في المكان الأول ، لطرأ على الجوهر وهو في المكان الأول من غير أن يقتضي زواله وانتقاله ، كما تتعاقب الأكوان المتماثلة عليه ، وهو مستقر في المكان الأول . فلما اختص الكون الطارئ باقتضاء الخروج عن الأول والتخصيص بالثاني ، دل على أنه ليس من جنس ما تقدم . وهذا ما لا جواب عنه . وأما الذي تمسك به السائل من تماثل المكانين مع الاستشهاد بالسوادين في المحلين ، فلا محصول له . فأما السوادان إذا تغاير محلاهما ، فالقول في اختلافهما وتماثلهما يرجع إلى أصل قدمناه ، وهو أن العرض إذا اختص بمحل فهو لعينه أو لتخصيص مخصص ، وفيه الاختلاف المشهور . فإن قلنا : إن العرض يختص لمحله لتخصيص مخصص ، فالسوادان متماثلان ، إذ يجوز في كل واحد منهما تقدير التخصيص بمحل الثاني على البدل . والمثلان هما المستويان في صفات الأنفس . وإن سلكنا الطريقة الأخرى وقلنا : كل عرض يختص بمحله لعينه ، ولا يجوز تقديره في غيره ، لا في النشأة الأولى ولا في الإعادة إذا أعيد ، فقد اختلف على هذه الطريقة جواب القاضي فقال مرّة : هما مختلفان إذا قاما بمحلين ، إذ قد ثبت لكل واحد منهما ما لا يجوز على الثاني . فإنه لا يجوز تقدير واحد منهما في محل الثاني على البدل . وقال في بعض كتبه : يجب الحكم بتماثل البياضين مع تعدد المحلين ، وإن قلنا : لا يجوز تقدير واحد منهما في محل الثاني ، وذلك لأن التماثل إنما تراعى فيه صفات الأنفس ، واختصاص العرض بمحل ليس يرجع إلى صفة نفسه . والذي يوضح ذلك : أنه ليس صرف الاختصاص إلى العرض أولى منه إلى الجوهر ، فيقال : الجوهر اختص بهذا السواد ، ولا يجوز تقدير غيره فيه بدلا منه في وقته . فاستبان بذلك أن الاختصاص بالمحل ليس من صفات الأنفس . فهذا وجه الكلام على عرضين تغاير محلاهما . وأما ما تمسك به من تماثل المكانين ، فذهاب عن التحصيل . فإن الكون لا يوجب للجوهر مماسة مكان ، بل يوجبه الاختصاص بحيز . وحكم الاختصاص بحيز يخالف حكم الاختصاص بحيز آخر من غير تقدير مكانين . فوضح أن اعتبار تماثل المكانين لا معنى له .